ابن كثير

199

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عنه فإنه لا يحكم عليه بالضلال ، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي ، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ قال ابن جرير ، هذا تحريض من اللّه تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر ، وأن يثقوا بنصر اللّه مالك السماوات والأرض ولا يرهبوا من أعدائه ، فإنه لا ولي لهم من دون اللّه ولا نصير لهم سواه ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم : « هل تسمعون ما أسمع ؟ » قالوا ما نسمع من شيء ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم » وقال كعب الأحبار : ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها يرفع علم ذلك إلى اللّه ، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب ، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 117 ] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية في غزوة تبوك ، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء ، قال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم اللّه من الجهد ، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ، فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد اللّه بن عباس ، أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة ، فقال عمر بن الخطاب : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول اللّه إن اللّه عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا ، فقال « تحب ذلك ؟ » قال نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت ، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 502 .